المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ذكرى آخر زفرة عربية (حضارت الاندلس)


السـ بورحمة ـاري
01-07-2012, 08:19 AM
http://im22.gulfup.com/2012-01-07/132592433851.jpg (http://www.gulfup.com/show/X40ck6avykv)
ما مرّ على العالم حضارة مماثلة لحضارة الأندلس التي امتدت لثمانية قرون بما اتسمت به من سمات واتصفت به من صفات تفوق خيال الأمم الحاضرة. فقد جمعت الأندلس بين حظي الدنيا والآخرة بما احتوته من علوم التفسير والحديث والفقه والسير والفلسفة وعلم الكلام، والأدب والبلاغة والشعر والغناء والطب والهندسة والعمارة والأزياء والعطور. وهي من الحضارات النادرة التي جمعت بين العلوم والتآلف الإنساني والحيواني! فإضافة لما احتوته من العلوم والمعارف، فقد أرست مباديء حقوق الإنسان والمساواة بين الاديان والعرقيات وحتى حقوق الحيوان تم حفظها في سابقة في ذلك العصر من التاريخ
فالناظر إلى معظم الحضارات يجد أن ثمة نقيصة تصم تلك الحضارات في الغالب. فالحضارات الغربية اهتمت بالعلوم التجريبية وتركت العلوم الروحية وما يقدح في كونها حضارة أنها اهتمت بجانب العلم على جانب التربية. والأسوأ أن الحضارات الغربية كلها قامت على القتل والتعذيب وامتهان الإنسان الآخر في صبغة عنصرية مقيتة. والحضارات الشرقية وخاصة الآسيوية مجد أنها حضارات قامت على تمجيد الجانب الروحي من الإنسان وتهميش الجانب العلمي.

أما الحضارة الإسلامية، فهي الوحيدة عبر التاريخ التي تفردت باشتمالها على العلم والأدب والروح والتربية والجمال وحفظ حقوق الآخرين. فمنذ عهد النبوة مرورا بعهد الخلافة الراشدة ثم الحضارة الأموية والعباسية والأندلسية وغيرها من الحضارات تميزت عن مختلف حضارات العالم المتنوعة. فالتاريخ يشهد أن الحضارة الإسلامية لم تعتد على الأمم الأخرى إلا إذا اعتدي عليها فترد بما يوجبه عليها الدين. ولم تلتصق أي من فظائع العالم بالحضارة الإسلامية، بل كل الفظائع التي ارتكبت في العالم اقترفتها أيد آثمة من حضارات العالم وكان المسلمون هم الضحايا في معظم الأحيان.

لقد تفردت الأندلس في بهائها كواسطة عقد في جيد فتاة باهرة الحسن والجمال. وهذا ما زاد من حقد الصليبيين على تلك الحضارة. فما الذي يدفع أي دولة للإعتداء على دولة أخرى تتميز بالعلم والأدب والرفاهية والاحترام والسلم إلا لو كانت الدولة المعتدية دولة حاقدة؟ نعم، فقد استبد الحقد الديني الأسود في قلوب الإسبان وحاربوا حضارة الأندلس بكل قوة حتى سقطت والقلب يبكيها. لقد عانى الكاثوليكيون الإسبان من عقدة وجود الإسلام في الأندلس وكانوا يؤمنون أن المسلمين ليسوا أندلسيين بل هم عرب غزاة. وهذه العقدة زرعتها في نفوسهم الكنيسة الكاثوليكية الحاقدة لكي تضمن ولاء الإسبان في الحرب ضد الحضارة الإسلامية في الأندلس على الرغم من علم الكنيسة الأكيد أن المسلمين في الأندلس هم أندلسيون أقحاح. فكل عاقل يعلم أن الإسلام لم ينتشر بالسيف بل بالحب والسلام والعدل وما دخل الإسلام بلدا إلا وعاشت تلك البلد في رخاء وأمن ورفاهية في فترة الفتوحات الإسلامية.

إن سقوط الأندلس يمثل حلقة في تاريخ الصراع الحضاري المتطاول في البنيان التاريخي والجغرافي بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى الحاقدة. وتلك الحضارات الحاقدة تنوعت ما بين الصليبيين والمغول ومحاكم التفتيش والصهاينة والمحافظين الجدد. كلها أسماء متعددة لنوع واحد من الحقد. الحقد على الحضارة الإسلامية لسموها ورقيها وعظمتها التي شرفها الله بأن تحمل أخر رسالة سماوية. وهذا الاختيار هم أمر تكليف وليس تشريف. أي أن خيرية الأمة الإسلامية كانت مرتبطة بالأمر والمعروف والنهي عن المنكر.

لذلك حين دراسة أسباب سقوط الأندلس يجب في البداية أن نركز على الأخطاء التي ارتكبناها نحن في الأندلس. يجب أن ندرس أسباب سقوط الأندلس بدراسة الأسباب الداخلية قبل الخارجية. فالحقد الصليبي موجود ولن ينتهي لا بارتقائنا ولا بسقوطنا. وهذا ما قاله المولى عز وجل (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) البقرة:120.

اليوم الذكرى العشرون بعد الخمسمائة من سقوط أعظم حضارة عرفتها البشرية. سقطت بعد أخطاء عديدة من داخلنا نحن أعقبتها أفظع جرائم عرفتها الإنسانية قام بها الكاثوليكيون الإسبان تحت مسمى محاكم التفتيش وفعلت بإخوتنا المسلمين هناك ما يشيب له الولدان من فَقأً للأعين وجدع للأنوف وصلم للآذان وحرق وصهر وغصب وتقتيل. لكن التاريخ لا ينسى. إذا هم قد نسوا فلن ننسى نحن ولن ينسى العالم ذلك التضاد البالغ في التضاد! حضارة قامت على العلم والأدب والرقي والسمو، وحضارة مزعومة قامت على القتل والإرهاب. فشتان بين الثرى والثريا.

وبالرغم من أن التاريخ لا ينسى إلا أنه يمكن تزويره. فالتاريخ عادة ما يكتبه المنتصرون، ولهذا فلا عجب أن نعلم أن كثيرا من الروايات المذكورة عن سقوط الأندلس دخلها الكذب والتدليس من الكاثوليكيين الإسبان إمعانا في حرق قلوب المسلمين بتلك الهزيمة. إلا أن الله سبحانه وتعالى يكشف الحق دائما وعلى يد الآخرين. فلا عجب أيضا أن نرى اليوم من الإسبان من أنصف التاريخ الإسلامي في الأندلس وفند بعض القصص التاريخية المزيفة والتي انتشرت في التاريخ الإسلامي مثل قصة زفرة العربي الأخيرة. والقصة تزعم أن ملك غرناطة أبو عبد الله قد غادر المدينة بعد أن تسلمها الكاثوليكيون وهو يجر أذيال الخيبة والألم، وحرقة ضياع الأندلس تشتعل نارا تلظى في قلبه فوقف لإلقاء نظرة الوداع على المدينة من فوق تبة تشرف على غرناطة فزفر زفرة قوية فوق تلك التبة، وسميت تلك التبة حتى اليوم بمنفذ زفرة العربي الأخيرة (Puerto del Suspiro del Moro) لتخليد ذكرى هزيمة المسلمين هناك. واليوم يثبت علماء التاريخ أن هذه كانت كذبة سخيفة من اخترعها الأسقف أنطونيا غيفارا. وفي هذا الإطار قام المؤرخ الإسباني ليوناردو بيلينا بتأليف كتاب كامل يكشف هذه الكذبة بحق الملك أبو عبد الله. وأسمى الكتاب الزفرة الأخيرة للملك عبد الله El ultimo suspiro del rey Boabdil .

إننا اليوم لا نحتفل ولا نندب حظا ولا نشق جيبا ولا نلطم خدا بل نعيد قراءة التاريخ لكي نستفيد من أسباب السقوط ونتعلم من حضارة الأندلس كيف أصبحت من أعظم حضارات العالم. إننا نخلد هذه الذكرى لنعلمها للأجيال القادمة علها تستعيد المجد إن لم نستعده نحن. لذلك يجب علينا قراءة تاريخ الأندلس ومعرفة أسباب السمو وأسباب السقوط لكي نتعلم ونحاول أن نعيد تلك الامجاد القديمة. إن العبرة التي فهمتها من سقوط الأندلس هي أن الله سبحانه وتعالى قد شاء أن تسقط هذه الحضارة في نهاية أمرها بالرغم مما قدمته للعالم من علم وأدب وفن إلا أنها حين تراخت عن أوامر الله عز وجل سقطت بأيد الأعداء، فما بال معظم حكامنا اليوم وهم لم يقدموا مثقال ذرة مما قدمته الأندلس في سكرتهم يعمهون؟ علام يتكئون في جبروتهم ضد شعوبهم؟ ماذا تنتظرون بربكم قبل أن تسقط دولتكم وتزفرون الزفرة الأخيرة.

وحتى نلتقي،،،

ملاحظة: أقترح على من يريد أن يتعرف على الأندلس عن قرب أن يقرأ الكتاب التالية:

انبعاث الإسلام بالأندلس ، علي المنتصر الكتاني
رواية الموريسكي، المؤلف الدكتور حسن أوريد
نهاية الوجود العربي في الاندلس، للمؤلف، د. علي حسن الشطشاط
الاندلس…التاريخ والحضارة والمحنة، الدكتور محمد عبده حتامله

متعب السعدي
01-16-2012, 08:41 PM
مشكور اخي الغالي الساري
على الموضوع الرائع والمتميز
يعطيك الف الف عافيه
ولا تحرمنا جديدك يا الغالي

عسولة
02-12-2012, 11:17 AM
ربي لايحرمنا من هذا القلم الذهبي

دمت ودام قلمك